الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
446
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أما ما يذكره القرآن من أن هؤلاء في شك وتردد من هذه المسألة ، فربما كان إشارة إلى أنصار وأعداء المسيح ( عليه السلام ) ، وبتعبير آخر : إشارة إلى اليهود والنصارى ، فمن جهة شككت جماعة ضالة بطهارة أمه وعفتها ، ومن جهة أخرى شك قوم في كونه إنسانا ، حتى أن هذه الفئة قد انقسمت إلى مذاهب متعددة ، فالبعض اعتقد بصراحة أن ابن الله - الابن الروحي والجسمي الحقيقي لا المجازي ! - ومن ثم نشأت مسألة التثليث والأقانيم الثلاثة . والبعض اعتبر مسأله التثليث غير مفهومة وواضحة من الناحية العقلية ، واعتقدوا بوجوب قبولها تعبدا ، والبعض الآخر تخبط بكلام لا أساس له في سبيل توجيه المسألة منطقيا . والخلاصة : فإن هؤلاء جميعا لما لم يروا الحقيقة - أو أنهم لم يطلبوها ولم يريدوها - سلكوا طريق الخرافات والأساطير ( 1 ) ! وتقول الآية التالية بصراحة : ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمر فإنما يقول له كن فيكون وهذا إشارة إلى أن اتخاذ الولد - كما يظن المسيحيون في شأن الله - لا يناسب قداسة مقام الألوهية والربوبية ، فهو يستلزم من جهة الجسمية ، ومن جانب آخر المحدودية ، ومن جهة ثالثة الاحتياج ، وخلاصة القول : تنزيل الله سبحانه من مقام قدسه إلى إطار قوانين عالم المادة ، وجعله في حدود موجود مادي ضعيف ومحدود . الله الذي له من القوة والقدرة ما إذا أراد فإن آلاف العوالم كعالمنا المترامي الأطراف ستتحقق بأمر وإشارة منه ، ألا يعتبر شركا وانحرافا عن أصول التوحيد ومعرفة الله بأن نجعله سبحانه كإنسان له ولد ؟ وولد أيضا الولد في مرتبة ودرجة الأب ، ومن نفس طرازه !
--> 1 - من أجل زيادة الإيضاح في مسألة تثليث النصارى ، وما حاكوه ونسجوه من الخرافات حولها ، راجع ذيل الآية ( 171 ) من سورة النساء .